في جنوب غرب فرنسا .. بين جبال و نهرٍ و وِهاد .. تقع أحد كتب الأرض العظيمة ، التي شارك في تأليفها التاريخ و الناس و الطبيعة و العقل و الروح و الغرائز و الرياح و عوامل الزمن .. إقليم سُكن منذ خمس و خمسين ألفَ سنة حيث اكتشف الإنسان القديم الكهوف على حروف الجبال فاستقرّ فيها  زمنَ اكتشفَ النار و السكينَ  فصاد و قطعَ اللحمَ و أنضَجْ .. و مازال هناك من يسكن في جبالها إلى القرن العشرين !
و حين اكتشف علماء  اليوم طبيعةَ عيش الانسان في هذه المنطقة و سلوكه و عاداته، تغيرت كثيرًا من نظرته للتاريخ والتطور الإنساني عبر التاريخ ..

هجم عليها الرومان .. و قاومهم أهلها من قبائل الغال –و في كتب التاريخ العربي القديم تسمى منطقة فرنسا و ما حولها بلاد الغال– و دمر الإنجليز قديمًا قديمًا جزءًا كبيرًا من خيراتها و منازلها .. و كأنما قاومتْهم المنطقة بالحب حين قاوموها بالحرْب فغلبتْهم فأصبحتِ المنطقة اليوم إحدى وجهات الإنجليز المفضلة للهجرة.

و من بين عشرين ألف قصر برجوازي في فرنسا تقع في هذه المنطقة فقط أكثر من ألف و خمسمئة قصر منها، و الباقي موزع في جميع أنحاء فرنسا، لقد كانت المنطقة في العصر الإقطاعي جنّة الطبقة البرجوازية، فقد احتوت قصورها على غرف سمّيتْ بغُرَف حق السيد الإقطاعي التي كان يعاقب فيها عبيده و يحبسهم فيها.

dordogne_carte_1

مكان إقليم دوردونيي بالنسبة لفرنسا

إنه إقليم دودروني إقليم القصور و التاريخ المجسّد فيما صنعه الإنسان.

سافرنا للمنطقة في غير موسم فكانت مليئة من كل شيء عدا السوّاح، و لأنها منطقة جبلية فكان كلّ الطريق بالسيارة على شواربِ الجبال أعلاها و أسفلَها، استغرق منّا الطريق ستّ ساعات كانت رحلة بحالها، فحينما تسافر باستخدام الـ GPS و تأخذ خيار الطرق غير الخالية من الضرائب يسير بك وسط أجمل الأماكن و أكثرها حميمية، حيث القرى الصغيرة البسيطة و البيوت القديمة و المهجور بعضها، و مزارع العنب و التفاح، و الطرق الضيقة التي بالكاد تتسع لسيارة واحدة، و حوافّ الطريق العالية الخالية من مصدّات الحماية، و البحيرات المتناثرة يمينًا و شمالًا، و السيارات القديمة جدًا التي ما زال يستخدمها أهل هذه القرى، لوحات جمالية متتالية فيها التاريخ و الطبيعة و صنع الإنسان.

بعد بضع عدة ساعات من الرحلة وقفنا للراحة و الاستمتاع بالمنظر في مقهى ناءٍ عن أي مبنى بجواره، و حين صعدنا درج المقهى و ألقينا التحية أخبرتنا النادلة -التي كانت مشغولة بتزيين عدة طاولات مطلّة على نهر و سهل ممتد خلفه- أنها بصدد تجهيز حفلة الليلة لبعض الأقارب و لا تستطيع أن تخدمنا الآن، يبدو في هذه المناطق النائية أن العلاقات الحميمية أهم من خدمة السياح العابرين  لا سيما في غير موسم السياحة، كأنها تقول: مالذي أتى بك هذه الفترة لهذه المنطقة؟ إنه موسم الثلج و التزلج؟! هذا ما قاله عدد من الأشخاص الذين صادفناهم.

FullSizeRender-1

أحد المناظر في الطريق

اخترنا فندقًا نائيًا عن المدينة قريبًا من الطبيعة، مطلًا على نهر  إيل-Isle.

photo-635023959849669165-1

الفندق الذي سكنّاه، هكذا يبدو صيفًا

لم يكن في الفندق سوانا و عائلة أخرى فقط، كان الفندق عتيقًا جدًا و بسيطًا في أثاثه و مليئًا بالتاريخ والبساطة، قبل صعودنا للغرفة أخبرنا الاستقبال أن ليس هناك داعٍ للخوف من صوت الماء في المصعد، لأن الأمطار الغزيرة هذه الفترة جعلت المصعد يرتوي أكثر من اللازم، لذا ستمعون صوت الماء يقرقر كصوته في المعدة، و لكن لن تتبللوا، هذا وعد، على أن طريق العودة للفندق في الليل تبدو و كأنها محاولة تهريب حدودية، إلا أن إطلالة الغرفة على النهر، تغفر للفندق كل عيوبه .

تقع في الإقليم عدة مدنٍ و قرى مهمّة و جميلة و عتيقة لدرجة أن دخولها هو سفرٌ زمني للوراء كثيرًا .. و المدن التي زرناها منها هي:

Sarlat la CanédaLes Eyzies de Tayac SireuilPérigueux

بينهم مسافة تتراوح بين أربعين دقيقة إلى ساعة وربع، و هذه أحد عقبات المنطقة أن الأشياء الجميلة متباعدة قليلًا عن بعضها، و لكن لن تصدق الجمال الذي تراه في هذه الطرق، و ستتوقف عدة مرات للتأمل و التصوير.

أجمل ما في الإقليم هذا شيئان و كلاهما يرتبط بالتاريخ: قصورُها و الأحياء القديمة في مدنها. 

IMG_0220

كان الحي القديم أحد عجائب هذه المدن، المتشابهة جدًا في مبانيها القديمة، الأزقّة الحجرية التي تخترق البيوت الضيقة المزيّنة بالورود و تماثيل البطّ -ثروة المنطقة- المنازل العتيقة الحجرية ذات الأسقف الخشبية المثلثة، المقاهي و المطاعم المتداخلة و الصغيرة و البسيطة في مظهرها المختبئة في الأزقّة، إذا حيث شرب القهوة في أحدها كأنه شرب في غفلة من الحاضر و يقظة من التاريخ .. يقدمون فيها الطعام التقليدي الذي  يحتوي في كل أنواعه على البطّ بنوعيْه، ذلك النوع غالي الثمن الذي يتم إطعامه وتسمينه ثلاث مرات في اليوم و لمدة طويلة حتى يغطّي الدهن كبده و يصبح وجبة برجوازية تمامًا دون اعتبار ما إذا أصيب البطّ بالتليّف الكبدي جرّاء هذا(التزغيط) و النوع الآخر هو الذي يأكل بشكل طبيعي و هو أرخص ثمنًا و كبده أقلّ دهنًا، و من وجباتهم كبدة البطّ بالخبز، و أجنحة البطّ و بطنه و حساءه، و البطاطس المقليّ في دهن البط !!

IMG_0114

إحدى الأزقّة في مدينة بغيجيو

إن ما يثير العجب أن منطقة تتراوح أعمار بيوتها و قصورها و شوارعها بين 700-500 سنة، ما زالت مأهولة بالسكان بشكل طبيعي، يقيمون في بيوتها ذات النوافذ القريبة من الشارع، و يجوبون شوارعها الحجرية الضيقة المرصوفة بعناية الانسان القديم الذي وضعها حجرة حجرة، إن لذة و جمال منظر التاريخ الحيّ لا يكاد يعدله شيء !

أما إذا حلّ الغروب و اقترب المساء و أضاءت الفوانيس الصفراء المعلقة رؤوس الأزقّة الزرقاء بفعل الغروب فهنا ينمحي الفاصل بين الحقيقة و الخيال في منظر بديع رائع لا تملّ النظر إليه فضلًا عن التجوّل فيه، إنه لأمر رائع و جميل أن يكون تاريخ بهذا القِدَم و الجمال حيًا و قريبًا منك غير متهدّم و لا مهمل.

IMG_0221

ساحة في مدينة سارلا لا كنيدا

أول معلم أردنا زيارته كان قصر Commarque اليوناني ابن  ألف وخمسمئة عام، سلكنا طريقنا تحت المطر في طريق ضيق تغطيه أشجار تحاتّتْ أوراقها بفعل الشتاIMG_0167ء و ضمرت أغصانها بفعل اللبلاب، حتى وصلنا آخر منطقة مسموحة للسيارات، و بعد ذلك كان علينا أن نخترق على الأقدام غابة طينية الأرض بطول نصف كيلو متر تقريبًا حتى نصل للسهل المقابل للقصر، و لكن للأسف بعد كل ذلك، كان القصر مغلقًا، لأن لعنة الموسم تلاحقنا.

من المعالم التي زرناها كذلك كان قصر Forte de Reignac  ابن سبعمئة سنة، و هو القصر الجبلي الوحيد من نوعه في فرنسا و الذي ما زال محتفظًا بأثاثه الداخلي كما هو ، برودة الجدران الحجرية، مدخنة تشتعل بالحطب الحقيقي، غرفة التشريفات، مكتب السيد الإقطاعي الذي يتزين

FullSizeRender.jpgبالعبيد و المساحات و الفروسية و الكتب و السلطة و الباروكة، أدوات المطبخ الخشبية و حافظة الخبز الجميلة، كان القصر صورة واضحة لحياة الناس في ذلك الزمن الذي من غناه بالخير و الشر ما زالت السينما و الروايات تقتبس منه دون توقف.

و كذلك كان القصر الآخر و هو Manoir de Gisson الواقع في مدينة  Sarlat la Canada  أحد المدن التي اعتبرها أجمل ما رأت عيني من العتاقة و جمال التاريخ و البنيان، كل تفاصيل القصر كانت جميلة و أخّاذة، فمن درجه الحجريّ بالغ البرودة الذي يقودك إلى الأدوار ذات اليمين و ذات الشمال، إلى غرفة السيدة التي تحتوي على المغطس الخشبي بجانب سريرها و غرفة الطفل المدلل الذي ما زالت ألعابه الخشبية موجودة، كل هذه التفاصيل الحية للتاريخ كان ممتعًا جدًا معرفتها و الاطلاع عليها، و لفتني أن ورثة القصر كانوا يسكنون فيه إلى فترة قريبة جدًا.

FullSizeRender-4

قصر دي جيسون

و في المنطقة مواضع كثيرة سياحية للتخييم حول البحيرات وو سط الغابات، رأينا البعض يمارس فيها الصيد، و لكنها في الصيف أجمل بكثير منها في الشتاء، و تبدو هادئة جدًا و مكانًا رائعًا للتأمل.

لم تكن رحلتنا طويلة، كانت يومان في التاريخ، و لكثرة القصور المغلقة كانت يومًا في التاريخ، و للأسف فإن موسم السياحة في المنطقة يبدأ عادة من شهر أبريل كل سنة، بعد عدة أشهر من هذه الزيارة.

لذا إن كنت من هواة رؤية التاريخ و الحديث معه، بعيدًا عن الاستهلاكية و السياحة الفاقدة للمعنى و المليئة بالغثاء المادّي، محبًا للهدوء و الطبيعة و المعمار، فإن إقليم دردونيي بكل ما فيه سيملأ صدرك بالدهشة و الجمال.

Advertisements