الوسوم

إعلان

أحد أهم كُتـّاب القرن العشرين، و هناك عشرات الآلاف من الدراسات والمقالات سنويًا -في فترة ما- تصدر عنه بل و هناك عشرات المتخصصين في أدبه، مكتبات ضخمة متخصصة فقط في كافكا وما كُتب عنه، مشهور لدرجة اشتق من اسمه فعل باللغة الألمانية.

 عام ١٩٦٥م بلغ عدد الدراسات عنه أكثر من خمسة عشر ألف كتاب ومقال، و عام ١٩٧٥م في ألمانيا وحدها نشر عنه قرابة عشرة آلاف كتاب ومقال، و صدر عام ١٩٨٧م كشاف بأسماء الأعمال المكتوبة عنه بين عامي ١٩٥٥ و ١٩٨٠ وبلغ الكشاف وحده ٧٠٠ صفحة ! 

تأمَّـل معي كل هذا.. لا شك أن قاريء هذه الأخبار سيقول: ثمة براعة استثنائية هنا .. ولا شك أن هناك الكثير المذهل مما سيُدهش المقبل على قراءة كافكا.  

أكذلك؟

الدربُ المُـوخِـز

قرأت كافكا بعد مصابرة شديدة لتحمل نوعية أسلوبه الجاف الأشبه بالتقارير التي تؤدي الغرض المراد بلا زيادة وإن بنقصان! والَّلوم هنا للمترجم (إبراهيم وطفي) الذي أجزي له -قبل ذلك- شكري الجزيل للعمل الذي قام به في ترجمة الأعمال وترتيبها وتلخيص الدراسات والشروحات و هو عمل فيه من العَنـَت مافيه، ولكن الترجمة كانت عفيسًا لا يُقرأ بدون تأفف بين كل سطر وسطر، كانت ترجمةً شبه حرفية حتى في أماكن استخدام الضمائر والأدوات اللغوية! لقد تعقدت الترجمة بشكل أضاف إلى جفاف روايات كافكا جفاف الأسلوب فكان الأمر أثناء القراءة أشبه بالسير في الصحراء/رواية كافكا تحت شمس حارقة /ترجمة وطفي ولم يكن ثمة واحة في الطريق بل ولا حتى ركوة ماء. 

في الحقيقة يبدو لي بتأمل بعض الجمل والحورات والأجوبة أن كافكا كتب باللغة الألمانية بأسلوب ساخر غير مباشر في قول الشيء الجاد بطريقة تهكمية إشارية أحيانا أو العكس،  لكن لم تستطع الترجمة نقل النبرة الساخرة في الأسلوب، بل نقلت المعنى العام الذي يجعلك تفهم، لكنه لطبيعته الحرفية لن يجعلك تضحك، وأعتقد أن قراءة كافكا بالألمانية مباشرة سيكون لها طعمٌ مختلفٌ تماما، فكافكا -وبحسب يومياته- شديد الحساسية للكلمات والتعابير والأوصاف، ينتزع الكلمة من دمه حتى تؤدي المعنى الذي يريد بشكل مطابق لما يشعر به! 

حسنًا .. مرة أخرى .. كيف وجدتُّ أدبَ كافكا؟ 

لقد وجدته غريبًا .. نعم .. إن أدب كافكا  أدبٌ غريب، ليس سيئًا بكل تأكيد -ولو أن الترجمة جعلته كذلك أحيانا- ولكنه ليس أدبًا رفيعًا يؤثر فيك أو يعلق فيك شيء منه -سيعلق بك من كافكا أكثر مما يعلق بك من أدبه- إنه أدب غريب، غير معتاد الفكرة، أسلوب جاف مغلق ومقطَّع  في عالم متناقض، قصصه ليست كقصص الأدباء الآخرين، فأولئك أدبهم كالبشر .. من طين .. أما أدب كافكا  فكالشيطان من نار .. إنها من مادة أخرى .. وليس كذلك فقط بل حتى شكل أدبه مختلف، فليست قصصه كالمعتاد .. لها بداية ونهاية بخط طولي ..  لا .. إن قصص كافكا تبدأ من المنتصف وتبقى بلا نهاية ..  وشخصية تنعكس في أدبه: إخفاقٌ على مستوى الروح والواقع .. هذا هو كافكا وأدبه الذي وجدته.

(لم أستطع استحضار مفردة أكثر مناسبة من (غريب) أردت استخدام (مدهش) لكنها تؤدي المطلوب مع زيادة معنى جمالي وإبداعي وهذا ما لا أقصده، أو مفردة (غامض) ولكنها أيضا تحمل -مع المعنى الذي أريده- معنى إضافيا وهو الحالة اللُّغزية المؤقتة للنصّ، مما يميل بالمعنى إلى إمكانية إزالة الغموض بحلّ اللغز/التأويل والأمر ليس كذلك أيضا فيما أعنيه).

سأتحدث باختصار عن قصصه القصيرة، ثم أتحدث عن أكثر قصصه شهرة (المحاكمة) و (الانمساخ)

حين تقرأ مثلا قصة (الوقاد)  و (الحكم) لا يكاد يلفتك لا الأسلوب ولا الفكرة ولا حتى الوصف ولا الشخصيات أو التحليل، وأجزم أن مثل هذه القصص يكتب الأدباء مثلها كل يوم ولو من باب الدُربة والتجريب، لا جودةَ في البُنية ولا جمال في الأسلوب، وسيتجاوز القاريء هذه القصتين كتلك القصص التي يقرأها في غرف الانتظار في المستشفيات، سيتجاوزها القاريء في حالة واحدة فقط: أن لا يتعرف على كافكا من خلال مؤوليه، بل من خلال النص بعد موت مؤلفه حقيقة ومجازا.

أما قصة (أمريكا) التي لم يكملها كافكا وكان يشير لها بإسم (الرواية الأمريكية) التي تحكي قصة كارل الفتى الألماني الذي يزور أمريكا – لا شك أن محبّي كافكا سيغضبهم اختزال القصة بهذا الوصف ولكن هي هكذا- في هذه القصة كذلك نوع عدم الاتّساق الخفيّ، بحيث تقول لنفسك وأنت تقرأ: هذا لا يمكن أن يحدث، ولكنك تتقبله لأنك لا تجد ما يمنع ذلك! هذا سرّ كافكا الغريب، منطَـقَة اللامنطقية! 

وقصة (أبحاث كلب) تجد فيها براعة غريبة في تقمّص -لا أقول شخصية الكلب- بل تقمّص نفسية الكلب والحديث من خلاله ! وإذا نحوت إلى التأويل في هذه القصة لن تتوقف في حدود الكرة الأرضية.

وأيضًا (الجحر) التي يتحدث فيها حيوان كالخِلد، عن بناء بيته تحت الأرض، وخوفه من الثغرات التي تكون منفذًا للأعداء على بيته، وهلوسته بإتقان البناء وهوسه بالتخطيط فيه، سترى فيها عقدة الخوف والرغبة في الأمان، والغرابة في السرد  وعالمًا بلا صوت! 

وقصة (مستعمرة العقاب) قصة فيها أربع شخصيات، تتحدث عن جهاز إعدام، أنت لا تعرف أين تجري القصة، ولا الزمان، هناك الضابط والرحالة والمحكوم بالإعدام وجنديّ! 

يتحدث الرحالة مع الضابط عن جهاز الإعدام وطريقته في القضاء على المحكوم عليه – لا تدري إذا كان المحكوم عليه بالإعدام يستمع لهذا الحديث-لكن الحديث ينصبّ على جهاز بالإعدام بتفصيل طويل، كأنه دليل إرشاديّ!

وكذلك قصة (الدودة الهائلة) تتحدث عن قصة عن دودة ضخمة وُجدت في قرية ويتناقل الناس أخبارها وعن تقرير كُتب عن هذه الدودة، والكثير من الاستطرادات التفصيلية! وتنتهي القصة دون أن تنتهي! 

لكنك حين تقرأ (الانمساخ) و (المحاكمة) -وهي أشهر ما كتب، وأكثر ما يتأولها الناس وعباراتِها- سيلفتك شيئان فقط -بشكل أساسي ورئيس- وهما: غرابة الفكرة وجو الرواية!

في ظنّي أن كافكا كان يكتب أشياء يراها في النوم -حين قرأت يومياته تأكدت من ذلك- فإن الجو العام في رواياته يُشبه الحلم: حصول الأشياء غير الطبيعية في ظروف طبيعية، أو بمعنى أكثر دقة تمازج الواقع مع الخيال وفقدان الحالة الطبيعية المستوية للوجود! 

هل حلُمت يومًا أنك تسير بشكل عارٍ في الطريق ولكن الناس لا يلتفتون لك؟ أو أنك تتكلم ولكن لا يستطيع أحد سماعك ومع ذلك تسير الأمور بشكل طبيعي-طبيعي في الحلم بالطبع-؟ 

هذي هي أجواء روايات كافكا (الانمساخ/المحاكمة) على وجه التقريب. 

تحدث الأشياء الغريبة في محيط عاديّ ولا يتغير شيء تبعًا لها بل تتم مسايرة الحدث ومحاولة التكيف معه، ولا يتم الحديث عن سبب ما يحصل إطلاقا، وهذه النقطة أحد أعجب إبداعات شخصية كافكا المرَضية، ولها علاقة وطيدة بشخصيته اللامبالية. 

أن يتحول الإنسان فجأة إلى حشرة ولكنه يظل بين أهله (الانمساخ) يحاول أهله التعامل مع هذه الفضيحة والمسؤولية الثقيلة بتوفير بقايا الطعام في البيت لأخيهم وابنهم الذي أصبح صرصورا، لا يتسائل كافكا في الرواية عن كيفية ذلك ولا نتيجته، ولا حتى عن هولِ هذا التغيـُّر، إن الصرصور ببساطة يحمل همَّ تأخره عن الدوام، ولا يقدر على أن يقوم بشكل سهل من السرير لطبيعة جسده الصرصورية!  

ثم يمضي في القصة ليحكي تعامل أهله واندهاشهم من تحوله، لقد خطر في بالي صعوبة التعليلات والحوار فيما لو اضطر الصرصور للكلام مع أهله، لكن -وهذا تخلّص بارعٌ من جهة كافكا- لن  يكون هناك أي تواصل شفهي بين الصرصور والعائلة إطلاقا على امتداد الرواية إنهم يتحدثون عنه بينهم ولكنه لا يتحدث أبدًا، فيتم تنظيف الغرفة بينما هو مختفٍ تحت الكرسي، ويُحمل بقايا الطعام إليه ليلعقه أو يتركه، و القصة تُحكى من منظور الصرصور الذي أجاد كافكا في تبني منظوره، لكن ليس لدرجة البراعة، فهو يصف الأبعاد والزوايا أحيانا بحساب النظر الصرصوري وأحيانًا بحساب البشر الطبيعي.

[تحليلات الانمساخ]

 لقد تم تأويل قصة (الانمساخ) أنها تصوير لشعور كافكا بالعجز ونظرة والده وأسرته له باعتباره شخص غير نافع للبيت من الناحية المادية، وانمساخ شعور أهله الإنساني تجاهه في النهاية حيث يقررون قتله -لكنهم لا يفعلون على أية حال- بعد إحساسهم بأنه عقبة ضد راحة المستأجرين في البيت لأنه حشرة كريهة ! 

أو أنها الشخص غير العادي في الظروف العادية، لم يتغير شيء في البيئة المحيطة لكن هو الذي انمسخ ! وعلى الأهل التعامل مع ذلك، وبعضهم يرى أن القصة تحكي عدم تقبل المجتمع للشخص المختلف، أي أنه يطبّع السائد فقط! 

 أحدهم ينطلق في تحليله وتأويله من الحشرة، الآخر ينطلق من البيت والأسرة، وثالث ينطلق من علاقة الأب بالابن، هذا ولم نتطرق للتأويل الماركسي للقصة .. إنها قصة أخرى صدقوني!

[تحليلات المحاكمة]

أما في (المحاكمة) في يستيقظ (ك)  بطل الرواية فجأة ليجد عددا من العسكر في بيته ليحاكموه، لا يجري التساؤل عن دخول العسكر في بيته، ولا كيف دخلوا، بل يتكيف مع الموضوع وينساق للحديث معهم ومع مطالبهم، يعرف الكل بأن المحاكمة مهمة، وأن المرافعة فيها صعبة، وربما غير مجدية، لكن لا يخبره أحد ماهي التهمة، يحبسونه في بيته بطريقة غريبة، فمن المسموح له الذهاب لدوامه أيضا في البنك، وعليه أن يبحث عن محامي ليدافع عنه، ولكنه لا يعرف ما هي التهمة أصلا! وتطول فصول الرواية بشكل ممل، ويقابل أشخاصا كُـثُر ويستطرد في حوارات جامدة لا حكمة فيها ولا عمق ولا ظرافة إلا قليلا، و أضافت ترجمة وطفي لجمود الحوارات معنى الخشب !

أما كيف حللوها؟ فإليك ذلك:

بداية يبهتك بعضهم بصعوبة إمكانية فهم كافكا في غير لغته الأصلية، فهذا مخرج فرنسي يقول: “بالإمكان ترجمة كافكا إلى نقطة معينة، بعد هذه النقطة لا يمكن ذلك مهما كان المترجم كفؤا، إن كافكا في الألمانية في غاية الوضوح ولكنه في الفرنسية هو مثل نفق” حسنًا .. ماذا  يمكن أن نقول عن كافكا في العربية بترجمة وطفي؟ إنه ليس نفقًا ربما يكون حفرة. 

ثم يضع لك الحالة النفسية المناسبة لقراءة كافكا فيقول:“حتى يحس المرء بشكل صحيح ويكتشف ما يكمن في كافكا= عليه أن يكون قريبًا من القبر!” هل يعني هذا أن قراءة كافكا محاولة انتحار؟

وآخر يخبرك بصريح العبارة غموض كافكا الأبدي فـ“المحاكمة رواية لا يمكن لإنسان بمفرده أن يفسرها تفسيرًا كاملا ولو ظل عليها طول حياته، ولا يمكن قراءة كتبه بطريقة تامّة قطّ” ألم أقل لكم أنه بلا نهاية؟

ويأخذ المفسّرون في تفسير عبارات عادية تمامًا لكافكا ويلبسونها معاني عميقة محتملة، فهم مثلا تأولوا عبارة (هل تريد أن تخلع معطفك) بأنه قد يعني تسليم الذات، وارتداء الملابس قد يعني تصليب الذات.

وعبارة (في كل مكان يسود السلام) أنه تلميح ساخر إلى الوضع السياسي في آب ١٩١٤ حيث كانت إمبراطورية النمسا قد أعلنت الحرب على صربيا مما أدى إلى قيام الحرب العالمية الأولى.

أما ڤيلي هاس صديق كافكا، كان يعتبر كافكا أشبه بقدّيس، وأن المحاكمة أثر فنّي كالكتاب المقدس، وهو -أي كافكا- “أعلى تطورًا بيولوجيًا من عموم الناس” لا شك أنه عبّر بشكل مجازي – في الحقيقة أرجو ذلك- ولكنه  لم يقل إذا ما كنا نحن (العموم) نمثل جيل القِردة بالنسبة لكافكا إذا أخذنا بنظرية التطور. 

ويرى ناقدٌ  في المحاكمة أنها صورة لمحاكمة الفرد لضميره، إن (يوزف ك) شخصية الرواية هي المدعي والمدعى عليه والشاهد الوحيد والقاضي والضمير.

وآخر يفسرها بأنها عرْضٌ للعزلة الروحية وللمرض العقلي بنحو واقعي.

أما هلموت كايرز -عالم نفسيّ فيما يبدو- فيخلُص من الرواية أن كافكا يعاني من اضطراب غريزيّ وأنه تعذّب بسبب احتقان الشهوة الجنسية التي لم تُشبَع.

في الحقيقة لقد صرّح كافكا بالمشكلة الجنسية عنده في يومياته، لذا فإن الأمر لم يكن بحاجة إلى يلُفَّ أحدهم العالم، ولكن ماذا نقول لمن يحب الارتحال؟

وناقد يرى في المحاكمة معالجة المؤلف لتشوّه الوجود ونقدًا للماضي والحاضر معًا.

واعتبره بعض الألمان ناقدًا للفاشية والهتلرية – مع أنه مات قبلها- ومتنبأً بها.

و آخر يرى أن الرواية تطرح السؤال عن مبرِّر الوجود! 

ويراها مفكر نمساوي أنها تصور بؤس الإنسان في العالم الرأسمالي.

ويرى كاتب كذلك نظرة أكثر حميمية في الرواية وهي أنها تحكي قصة خِطبة كافكا وفسخها.

ونقّاد آخرون يرون أن الجهاز القضائي في الرواية هو جهاز السلطة وكافكا ينقدها، ومطَّ نقّاد آخرون جهاز السلطة هذا حتى قالوا أن المقصود به الإله، وكافكا ينتقد حالة المطالبة بالإيمان والخضوع المطلق!

ولك أن تعرف بعد كل هذا أن هناك أكثر من أحد عشر ألفًا من الخبراء المفسّرين لكافكا، كما ورد في دراسة تيو إلم (خمسون عامًا من الدراسات عن كافكا).

أعتقد السؤال الحاسم للعبة التأويلات هو: هل كان كافكا المؤلف الأساس يقصد شيئًا من روايته؟ وإذا كان يقصد شيئا فما هو؟ إن معرفة ما إذا كان كافكا يقصد شيئًا ستضيّقُ حتمًا من سعة حدود التأويلات والتفسيرات، لكن لا تستعجل فحتى كافكا لم يفهم كافكا! هذا ماكس برود صديق كافكا المقرب يقول عن تفسيرات كافكا لأعماله: “كافكا نفسه كان يفسِّر بطريقة تجعل التفسيرات بحاجة إلى تفسيرات جديدة” أرأيت تسلسل الحوادث في المستقبليات؟ وضياع الورقة الأخيرة لفهم كافكا بشكل مباشر منه!؟  هذا ما قاله ماكس برود والذي لم يفوِّتْ على نفسه فرصة أن يُدلي بدلوه في تفسير المحاكمة  تفسيًرا دينيا ذا خلفية  يهودية، لم يقبله كثيرٌ من مفسّري كافكا الآخرين. 

أرأيتم كيف يتفاوت النقّاد والمفسّرون في تأويل كافكا في المحاكمة فقط!؟ فقد امتدّت قابلية التأويل من ما بين فخذي كافكا ومشكلته الجنسية، إلى علاقته مع خطيبته إلى وجود البشرية كلها وتاريخها وآيديولوجياتها وصولًا إلى من في السماء!

ليسمح لي النقّاد ما دام الأمر بهذه السعة، أيحتمل الأمر أن لا يكون له معنى؟ أن تكون الرواية صورةً من قلق شاب يعاني فيْضَ أفكار متقطعة ومتداخلة وغير كاملة في ذاتها، كتبها و لم يقدر على تنظيمها؟ عبث شاب متوتّر الوعي ضبابي الرؤية للأشياء لم يجد أدنى حد للانسجام بين حياته وواقعه وبين شخصيته والناس؟ ربما.

وبعدُ .. ماذا يمكن أن تفهم رواية المحاكمة؟ كلَّ شيء تقريبًا .. حتى علاقتك مع جارك، ومشاكلك المتكررة مع زوجتك، فإننا إذا اعتبرنا المرأة السلطة القضائية في القصة فالأمر محتمل وهذا يكفي للتأويل.

وهذا جورج باتاي يقول: ما ليس باستطاعتنا القيام به هو أن نعزو أو ننسب معنى دقيقًا وصادقًا إلى مؤلفات كافكا الأدبية !

إني لا أريد أن أبدو مستهينا بكل هؤلاء النقاد وتفسيرهم، ومستصغرًا لجهود كبيرة، ولكني في ذات الوقت لا أريد أن أُري عيني شيئًا لم أرَه في الصورة أساسًا، إن نصًا بهذه السعة التأويلية غير المحدودة نصٌّ تائه، أكتفي بما أفهمه منه لا بما يريد البعض إفهامي إياه.

أين مكمن البراعة؟

لا أخفيكم أني سأكون أكثر إرضاءً لنفسي إن قلت: أين مكمن الجاذبية في كافكا؟ 

بدايةً: هنا نقطتان لم أستطع الفصل بينهما، وسأذكرهما متداخلتين، ورأسا النقطتين هما: نُـقّاد كافكا – شخصيتة كافكا.

إن الجزء الأكبر من جاذبية كافكا وشهرته جاءت من دارسيه، فأنت حين تقرأ النص الكافكوي دون أي خلفية مسبقة عن المؤلف= لن يشدك شيء كما سبق وقلت، ستخرج بشعور من الاستغراب وتفغَمُك رائحة غريبة لروحِ هذا الشاب، ربما بعد أن تنتهي من قرائته، تذهب لتغسل وجهك بشكل جيد، أو ربما تخرج لممارسة الرياضة أو حتى ممارسة الجنس، أي فعل تثبت لنفسك فيه أنك حيّ وأن الحياة غير متوقفة، هذا ربما ما يلحقك من كافكا ولكن حتمًا لن يصل بك الأمر لمرحلة الهوس التأويلي الذي مارسه النقّاد على أدبه، فآلاف التفسيرات تم تقديمها لكل أعماله وعباراته ومفرداته، وكان هناك تتبع دقيق مضنٍ و مهووس لكل تفاصيل حياة كافكا وعلاقاته وصديقاته، وتم تحليل اختيار كافكا للأماكن في قصصه وتقسيم البيت وتوزيع الغرف والأسماء وتحليل بعض التراكيب التافهة وماذا يقصد بها مع إغراب في التأويل، و تحليل وصفه للشخصيات، وبعد ذلك كله تحليل مقصد القصة الذي يذهب الناسُ فيه كل مذهب! 

يُشعرك هؤلاء المؤولة والمحلِّلة أن مقصدهم هو الوقوع على ما أراد كافكا أن يقوله ولكنه لم يقُـلْـه؛ معتمدين في ذلك على ما قاله، إذِ المهم لديهم هو: ما الذي لم يقُله كافكا وليس ما الذي قاله! وهذا بدوره يبعد كافكا عن الصورة، ويُحِلُّ رغبات كل مفسّر مكانها، فكل واحد منهم يظن أن كافكا قصد كذا، لأنه هو يودّ ذلك.  

هذا المستوى من التأويل الممَارَس مع كافكا سيحول كل نص مهما كان عاديًا إلى نص عظيم وعميق بل يحوله إلى لغز بعدد لا نهائي من الاحتمالات، ويرفع صاحبه إلى درجة عالية من التفوّق الأدبي والنفسي، إن تلغيز كافكا وأدبِه يظهر وكأنه فخٌ لإيهام البراعة والقدرة على علاج آلاف الظواهر الاجتماعية بنصوص بالغة العمق والدقة والشمول، و أعتقد أن من الممكن تجاوز كل هذه التحليلات والتأويلات دون خسارة معرفية إذا أراد الشخص أن يفهم كافكا بطريقته الخاصة، أو على الأقل أن يبدأ مباشرة بقراءة نصوص كافكا الذي أرى أن الطبَّ النفسي أولى به من النقد الأدبي.

لكن السؤال الآخر والمرتبط بما سبق هو: لماذا اهتم الأدباء والمثقفون إلى هذه الدرجة بكافكا وتأويل نصوصه وتحليلها واستخراج إسقاطاتها؟

الجواب: لا أدري! .. هذا الجواب الأول! وهو جواب حقيقي ومُراد، لماذا فعلوا كل ذلك معه؟ حقًا لا أدري ! الأمر لم يكن يستحق كل ذلك.

والجواب الثاني: جاذبية شخصية كافكا!

إن شخصية كافكا هي السرّ في كل ذلك، ومنبع كل هذه الهالة على أدبه إن ذلك النحيل الهزيل السوداوي ذا الميول الانتحاريج جذّاب، وقبل أن تتقارب حواجبكم استغرابا، لنتأمل شخصية كافكا معًا:

شخصية مختلة  .. حسنًا لنفجّر هذا الاختزال فنقول -مستخدمين ألفاظه في وصف نفسه- : يعاني من لا جدوى شاملة و علاقة سيئة مع والده وطفولة صعبة، و كثير التفكير جداً لدرجة تصيبه بالقلق الذي لا يُنسى،  صلب من الخارج بارد في الأعماق خجول و مكتئب، ذا ملابس رديئة تجعله بائس المظهر كلوحة معلقة، يشعر بالخوف وعندما لا يشعر بالخوف يشعر بالاضطراب، ولديه مصاعب عنيفة مع النوم فهو يعتقد أنه يضع رأسه في الحفرة الخطأ أو أنه مسجون في حبّة بندق، تصيبه نوبات إعياء، وهزيل جدًا وجسده عقبة رئيسة في تقدمه و موسوس، و هواجسه لا تنتهي، ويشعر بعمق بأنه منبوذ، كثير الإستلقاء على فراشه مستيقظًا لفترات طويلة، وهي على ما يبدو حالة الهواجيس والخيالات التي تعبر روحه إلى رأسه، يظن أن حياته غير مؤكدة -يا له من تعبير- يعيش في داخله أكثر مما يعيش مع الناس، يحلم دائما أن سكينًا عريضة تدخل في جنبه على نحو سريع وبانتظام وتقطّعه على شكل شرائح رقيقة جدا تتطاير مثل معجون حلاقة -يا له من وصف أيضًا- يعاني من تضخم على المستوى الداخلي من حيث الأفكار والأحلام -الأحلام التي تأتي في النوم وخارج النوم لا الأحلام بمعنى الطموح والآمال وهذا واضح في يومياته وقد عددت أكثر من ١٠ أحلام تقريبا رآها ورواها بتفاصيل غاية في الدقة والغرابة و عدم المعنى، مما يعكس حالة توتّر في الوعي عنده- وضمور على المستوى الخارجي من ناحية التواصل والإنجاز، يحمل عالما كبيرا في رأسه لا يستطيع أن يحرره دون أن يمزقه يتماهى الواقع الخارجي مع خياله حياة مزدوجة لا مخرج له منها إلا بالجنون وهذا يبرز في تحويله لكثير من أحداث حياته وشخصياتها إلى قصص بحيث يضيف عليها كما يشاء كأنه يريد التخلص من عبأ المواقف والذاكرة -تكفل مؤِّلوه بتبين كل الشخصيات الحقيقة في أدبه- لا يسمح للآخرين بدفعه ولا يعرف الطريق السليم، يركز كثيرًا على طريقة حديث الناس معه وملامحهم وأفواههم وأعينهم وآذانهم أثناء الحديث و يرى الأشخاص بعدسة خياله المموِّهة وهذا يظهر في توصيفه الدقيق لملامح الأشخاص الذين يقابلهم ويضفي على ذلك المبالغات التي يراها، أو يظن أنه يراها، فكأنه يمارس عملية تصحيح للخلق تناسبُ رؤيته، يلحّ عليه الجنس ولكن يجب أن يتغلب على الحزن والخجل والخوف ليشبعه، يعترف بأن السعادة مع الناس، ولكنه لا يعتقد أنه قادر على العيش مع الناس!

لديه مشكلة عميقة مع الوظيفة والاستمرار فيها أو تركها “إني أتقدم في العمر وتصبح التغيرات أكثر صعوبة، تلك مصيبة كبرى لي وهي مصيبة دائمة، ولا أمل في الخروج منها، سوف أُسجن فوق سلم وظيفتي وسأبقى حزينا ووحيدا طالما بقيتُ قادرًا على الاحتمال -لم يقل ماذا سيحدث لو لم يعُد قادرًا على التحمل- حزينٌ حزنًا خالصًا غير قابل للمواساة”

سؤاله اليومي لنفسه: “هل أشعر بالرضا؟ هل أنا سعيد؟ هل حياتي تستحق الحياة؟” ورسالته اليومية لنفسه: “أنا لست بخير، ولم أكن كذلك يومًا ولا أدري ماذا أفعل!”

يعامل أفكاره كشخوص خيالية، و لذا حينما يكون لوحده يكون ظاهريًا كذلك، لكنه في الحقيقة مع عدد لا نهائي من الأفكار والخواطر يتحدث معها وتحدثه، ويبرر لها ويتفاعل معها وتتوارد عليه الصور والخيالات والأحلام باستمرار، كأنها تعرفه وتتخذ عقله مزارًا، يملك ذاكرة/قوة وجدانية لا تقل قوة ودقة وغرابةً عن ذاكرته البصرية، فهذه الذاكرة الوجدانية ينطبق فيها كل الحوارات والمواقف والتصرفات، ويبدو أن منها يستقي تشبيهات وتصويرات مريعة مرعبة كالكلب الذي يستلقي فوقه ويلهث، معبرًا عن حالة الضجر والتعب الجسدي الذي يمر فيه أو عن امرأة الشمع المستقلية فوقه أيضاً -في يومٍ آخر طبعًا- ليصف ذات الشعور من العجز والضجر والثقل، رخو العزم مع استسلام و تأنيب مستمر للضمير  و لا مبالاة مستمر كذلك.

أي شخصية هذه؟ 

 هذه الشخصية -وهي السبب الآخر في شهرته وجاذبيته- تداخلت في -ولا أقول مع- أدبه، لقد نثر نفسه في أدبه، عالج أو حاول أن يعالج مشاكله من خلال الكتابة، فتبدو كتاباته كلها وكأنها حديث مع الذات وتفريغ لها، تداخلت قصصه مع مواقف حياته، مما جعل قصصه تشبه -من حيث القابلية المعقولة للتأويل- رسائله الشخصية، بمعنى آخر توزعت سيرة كافكا الذاتية ما بين رسائله وقصصه، وهذا في نظري جعل الدارسين يوغلون في تحليل أدبه لاستخراج شخصيته وسيرته، وبطريقة أخرى يمكن القول: إن كافكا كتب سيرته الذاتية في قصصه، و تحول الأمر هنا لدارسيه إلى ما يشبه الحالة البوليسية حيث البحث عن الحقيقة من خلال نصوص مجازية محمّلة بالمشاعر المتضاربة و إسقاطات  أرادها الدارسون أن تكون على درجة عالية من الإلغاز، وربطها بصاحبها وحياته وعلاقاته، مما أفقد -أو على الأقل أضعف- قدرة أدب كافكا على النهوض بنفسه مستقلًا عن الدعاية البرّاقة الكامنة -ولو بغير قصد- في التأويلات التي قام بها نقّاد أعماله.

أخيرًا

ما أود قوله: إن أدب كافكا لا يحتمل كل هذه الشهرة العارمة له، إن هذه الشهرة عليه  كلباس فضفاض على جسد نحيل، إن هذا الجسد النحيل جميل، جميلٌ  بلباس يناسب نحوله.

في أدبه لا تكاد تجد عبارات عميقة ولكن تجد صراحة عميقة، لا تجد أسلوبًا فذًا ، بل غريبا .. و تجد شخصية مرهِقة مرهَقة، ربما لا تجد معانٍ إنسانية بل تجد معضلات إنسانية، يومياته ورسالته إلى والده هي عندي أعلى ما كتب لأنه عامَلَ اللغة فيها كمنقذ وملاذ فعبّر بها فعبَرَتْ به وصدق معها، ولكنه حين كتب الإنمساخ والمحاكمة والأخريَات، عامل اللغة كطاقية إخفاء، هرب فيها واستطرد في هروبه فتاهْ، إنه في يومياته صادق ومتناقض ومتوتر ومتردد وخائف وإنساني وحزين، وفي رسالته لوالده ابنٌ وضعيف وغاضب وباكي وشاكي، وفي قصصه لا هو أجاد كتابة رواية خالصة ولا هو أجاد كتابة سيرة ذاتية خالصة ولا أظنه أراد ذلك أصلًا، فكان كالغراب الذي أراد تقليد مشية الطاووس فلا أجاد مشيته، ولا استطاع العودة لطبيعته.

حسنًا يبدو أنه أصابتني لعنة المؤولين فانسقت لتحليل كافكا وتأويله، كأن هذا قدَرُ كافكا .. من يقرؤه يتورّط في شخصيته ! 


هامش: النقولات والأرقام عن كافكا، من ما ترجمه وطفي في الآثار الكاملة.

Advertisements