الوسوم

سأظل أحتفظ بالرسائل التي لا تصل ..
أتعاهدها كزهور الشرفة .. أفتش عن الحروف التي سقطت وأمحوها بأخرى  .. أتلمس الكلمات التي ذبلت على أطراف السطر وأستبدلها بكلمات أكثر نضارة   ..
أحييها كلَّ يوم وأراقبها تتقدم في العمر .. سأخبر هذه الرسائل  دومًا أني أشعر بها وأعرف مرارة انتظار الكلام على أسطر الورق .. وألم منتصف الطريق الذي لا يكتمل .. وثِقل “ما كان أقرب من الفم ولكنه أنأى من المُراد” ..
سأظل أحتفظ بهذه الرسائل وأعرف معرفة قلبي أن ستدركها شيخوخة اليأس  .. فتتغضّن الحروف الشابّة .. ويجف ماء حياتها ..  وتفقد قدرتها على البقاء  ..  وتتلاشى صباحة معانيها .. ويطير الورق .. يطير الورق ..
 

كُتبَتْ هذه الرسائل شفاءً  .. شفاء من امرأة قشَرتْ جلدة صبري وتلاشت ..  ثقَبَتْ قلبي ثقبًا على وعدِ أن تملأه .. فلا عادت ولا الثقب امتلأ .. لامرأة طوتني كميّتٍ في يديها .. وبعثتني خلقًا جديدا ..
لقد سألني عنها الليل .. وأسئلة الليل مَهيبةٌ لا تموت ولا تُنسى .. سألني عن تلك المجنونة التي لا يرضيها إلا الأقصى من كل شيء .. الأقصى من الحب والضحك والحزن ومعارك الجسد .. سألني عن تلك الجميلة التي تتحول بين يدي إلى أغنية للسهر وحكايا للنوم  سألني كثيراً وانتظر  لم أستطع إقناعه بأنها رحلت  ولن تعود  وأن انتظاره الطويل لن يجدي .. وأن عليه أن يمضي أيضاً ويتركني للصباح!
أخبرته أن السرير أصبح ضريحاً ..
وأن تلك الكنبة صارت مَعبداً ..
وتلك .. تلك الشرفة التي سمعت كل حكايانا  العشقية .. تلك الشرفة صارت حائط مبكى ..
وبعد كل هذا .. لم يقتنع الليل ولم يأتِ الصباح!
لم يكن إلا الفراق .. الفراق الذي جفّفَ  ماء قلبي فيَبِس وتخدَّدَ وترِبَ .. وأصبح يتثوَّرُ غبارًا كلَّما مشى عليه طيفُها  .. معلّقٌ في صدري بخيطٍ واهٍ  من التصبّر .. أنّ الحياة أكبر من ذلك، وأن الذكرى الجميلة لا تموت ولا تستحيل بغيضة، بل تظل في زواية من القلب كبُستان يُزهر كلَّ صبحٍ ومساء .. ولكنها في زاوية ضيّقة قصيّة .. وما بقي من القلب فصالحٌ للاحتطاب ..
يمرُّ بي طيفها فتغشَاني منه غاشيةٌ تأخذُ عليّ أنفاسي ويجفّ لها لساني .. كأني صائم منذ رحَلَـتْ .. و إني لأستعين بالوضوء لأخِفّ ..
لم يكن هذا الحبّ حبَّ مراهقيْـنِ يكتشفان فتنةَ الجسد أولَ مرَة .. كانتْ أكبرْ .. وكان أكثر .. وكان حبُّهما أكثر وطأة ورعبًا ..
ما زلت أذكرُ حديثها لي بصوتِها الأجْرَح .. لقد كان حتى جِـلْدي يستمعُ لها ..
ما زلتُ أذكر ملامحها التي لا تذبُـل مع السنين .. وهي ترسلُ ليَ القُبَلْ .. لقد كان حتى دمي ينظر إليها ..
ما زلتُ أذكر سؤالَها لي عن (السِّلـْفيِّين) .. أجبتها حينها أنهم لو سمعوا نطقكِ هذا سيتعلمنون في لحظة، فهذا الصوت بهذا النطق أقوى من مبادئ الأرض كلها ..
لقد كانت تتكفّل بالليل مهما طال .. وبالحُلم مهما اتّسع .. وبالطفل الذي في داخلي مهما صار نزِقًا ..
– نحن لن نلتقي.
– أعرف ذلك.
– لكن ماذا سيحصل لو التقينا ..
– لاشيء .. سأعيدكِ طفلة في ليلة.
– وأنت؟
– سأهرَم لحظة آخذك بين يديّ.
أما إني قد دفنت بقية أملٍ منذ زمن .. لكنني أعرف اليوم أن الذكرى توهِنُ جلَدي كغريقٍ أدركَ زِنديه الونى .. وأن الشوق يسلخُ لحمة صدري سلخًا .. وأني أنوء بالكلام كجبل فوق صفحة عنقي لا الجبل ينزاح ولا أنا أطيق حملَه .. وأني لا أملك أحلام نومي .. وإني لأعرف أيَّ ليلة سأحلم بكِ فيها .. إنها حين يتلوّى قلبي كأنما أعصِر منه الصّبْر عصرًا .. وإني لأعرفُ اليوم أكثر من أي عمرٍ مضى أن لا عزاء لي فيك، وأني لو متّ سيبرد كُلُّ مافي جسدي .. سوى تلك البقعة من القلب التي أحببتك بها.
Advertisements