الوسوم

الكتاب: تكوين الدولة

المؤلف: روبرت م.ماكيفر

ترجمة: د/ حسن الصعب  

يتحدث الكتاب عموما عن نشأة الانسان والنشأة الأولى للحكومة من خلال الأسرة، وقواعد السلطة وأهرام القدرة، و الدولة الحديثة وأنواعها وكيف يتغير شكل الدولة، والفروق بين أنواع الدول الحديثة، وعلاقة الاقتصاد والتقنية بتغير شكل الدولة، وعلاقة المِلكية وصورتها بطبيعة نظام الحكم -في جزء لافت- والهيكلة الداخلية للدول، والقوى المسيطرة في إطار الدولة بأنواعها، وقوى التغيير الاجتماعي وبُناها، وطرق الديمقراطية وطرق الديكتاتورية، وأثر القومية والوحدة السياسية والحدود الجغرافية وتأثيرها في تشكل الدولة.

و هذا الفصل الذي أودّ تلخيصه لكم هنا، يتحدث بشكل تاريخي متسلسل و بلفتات اجتماعية وعميقة عن ظهور الديمقراطية في (أوروبا) عبر تحولات تاريخية طويلة إلى أن وصلت للشكل المعاصر، ولأهمية مثل هذا السرد التاريخي، الذي يوضح لنا أن الديمقراطية ليست طفرة بقدر ما هي معاناة، وليست هبة -كالنفط مثلا- بقدر ما هي صراع طويل الأمد بين قوى مختلفة ذات نفوذ عالي للإبقاء على الأكثرية بلا حقوق وفي خدمة الأقلية المسيطرة على الموارد والحكم ومصائر البشر.

 مع كون التجربة الأوروبية للوصول لمثل هذه الصورة من الحكم = ليست حتمية تاريخية نهائية سيسلكها -بشكل جبريّ- تاريخ كل دولة عربية، ولكنه على الأقل يهبنا شيئا من الأمل في أن الوصول للكرامة والحرية يحتاج إلى أكثر من ربيع عربي واحد، فقد احتاج في أوروبا إلى المرور بفصول غير ربيعية إطلاقًا.

  • الديمقراطية شكل من أشكال الحكومية يتعذر بلوغها بشكل كامل، وبالتالي يصعب تعريفها أو تقييمها بشكل صائب، ولربما تنقضي سنين على دولة ما قبل أن تستحق أن تُسمى بأنها دولة ديمقراطية.
  • يسبق بلوغ الدولة الديمقراطية إعدادٌ طويل، ولا يمكن أن تنقلب الأوليغاركية إلى دولة ديمقراطية بين عشية وضحاها، بل هي عملية تحول طويل الأمد.
  • لا تؤدي الثورة إلى خلق ديمقراطية ولكنها تؤدي إلى استبدال فجائي لنظام أوليغاركي بآخر.
  • إذا كانت الديمقراطية هي رقابة الشعب على الحكومة فكيف يمارس الشعب هذه الرقابة؟ كيف مارسها في النظام الديمقراطي الأثيني وهو أول تجربة ديمقراطية في التاريخ؟  لقد أُعطي الشعب الأثيني حق الرقابة على الحكومة بعد لأيٍ ولفترة وجيزة ثم اختفت.
  • تدل آداب أثينا على أن شعبها أولِع بالحرية وغفِل عن مقومات بقائها وأهم مقوماتها هو وجود شعور عام يقي الحياة العامة ضراوة المنازعات الفئوية والمصلحية.
  • في الحقيقة لم يكن كبار فلاسفة أثينا مؤمنين بالديمقراطية، بل كانوا معارضين لها، وكان سقراط المفكر الوحيد الذي حبّذ الديمقراطية، وكان الشعب في سُبات عميق عن أبطال ديمقراطيته مثل أروبيدس الذي طُرد من المدينة، وأُعدم سقراط، وظلت الديمقراطية شكلا.
  • كان لتدخل القوى الخارجية أثره في منع استمرار ديمقراطية أثينا، لكن افقتار اليونان إلى الروح القومية هو الذي شجع على التدخل الأجنبي، فالديمقراطية لا ترسخ في النفوس إلا إذا ارتبطت بشعور قومي أو بوعي الشعب لوحدته.
  • ظلت كل مدينة في اليونان تفاخر المدن الأخرى بإنجازاتها وثقافتها، تلك الانجازات التي كانت وقفًا فقط على من أتيحت لهم الفرصة أو المكانة أو الثروة أو التربية، ولم ينظروا اليونانيون لهذه الإنجازات نظرة عامة باعتبارها منجز لهم جميعا، بل نظروا لها نظرة فئوية فردية، والثقافة تقر هذه الدرجات والتمايز، ولكن القومية لا تقرها، فالصغار والكبار متساوون في القومية، ولذلك فالقومية توحد الشعب توحيدا لا تقدر عليه الثقافة مهما اتسعت.
  • مارس شعب أثينا الديمقراطية بشكل حصري ولكن بشكل كامل، وبلغت الديمقراطية مبلغا عظيما عندهم لدرجة كانوا يختارون القضاة ويعزلونهم وأصبح بوسع كل ناخب أن يكون بالتناوب أو الاختيار حاكما أو قاضيا، ولكنهم كانوا الأقلية في الدولة وكان أكثر سكانها غارقين في أميتهم وظل من العسير على المقيمين خارج المدينة أن يتركوا أرضهم وينتقلوا للمدينة لممارسة حقهم الديمقراطي، وظل العبيد في حالة حرمان تام من أي حق، و كانت حياة النساء أشبه شيء بعزلة نساء الشرق في  الحريم فكانت الديمقراطية هناك بلا قاعدة شعبية.
  • تعرضت التجربة الرومانية لذات الصعوبات التي تعرضت لها التجربة اليونانية، وكان للعبودية في التجربة الرومانية أثرها الحاسم في إخفاقها، إذ العبودية والديمقراطية لا تتفقان، لأن الديمقراطية تكرس حقوق الشخص مهما كانت منزلته، والعبودية قائمة على رفض كلي للاقرار بحقوق الشخص المدنية.
  • لقد سلّـم كبار مفكري اليونان بنظام العبودية واعتبروا وجودها متفقا مع طبيعة الأشياء وأنهم أشبه بالآلة، وظل هذا موقفهم إلى أن سرَت روح الديمقراطية في فكرهم أواخر أيام روما، فأنكر شيشرون تفاوت الشعوب، وشدد الرواقيون على وجود العقل العام في جميع البشر، وميز الفقهاء الرومان بين التفاوت في الحقوق المدنية والتساوي في الحقوق الطبيعية، فاعتُبرت هذه الآراء هي القواعد الفكرية لنشوء الديمقراطية.
  • أكثر ما ظهرت الديمقراطية في المدن، وأوضح صورة لانحصار الديمقراطية في المدن كانت صورة روما في أواخر عهد الجمهورية الرومانية، فمع كونها خلعت مواطنيّتَها على جميع سكان المملكة إلا أن ممارسة حقوق المواطنة ظل حكرا على من ينتسب من المواطنين لمدينة روما.
  • يمكن إيجاز الأحوال غير الملائمة للديمقراطية بما يلي:
  1. القاعدة المسترَقـّة للاقتصاديات القديمة (العبيد) .
  2. انحصار الفرص الثقافية على طبقات محظوظة صغيرة العدد.
  3. فقدان مفهوم القومية.
  4. ويقترن بكل هذا فقدان أي نظرية ديمقراطية تنادي بالحقوق السياسية للأشخاص من حيث هم أشخاص.
  • أخذ الحال يتغير في القرون الوسطى وبدأت تظهر أفكار تهيء قبول فكرة الديمقراطية الشاملة، وكان أهم مافي هذه الأفكار هي التعاليم المسيحية التي أنكرت الفروق بين الأجناس والألوان.
  • كان للقانون الطبيعي (الذي ساهم الرومان في بثه) منزلته العالية في القرون الوسطى وأنه فوق القوانين وأن القانون الوضعي لا يكون عادلا إلا بقدر ما يتفق مع القانون الطبيعي.
  • انتشرت هذه الآراء الدينية والقانونية وغيرت مفاهيم الناس ولكن تغيّر المفاهيم لم يقترن بتغير المؤسسات، فتقدمت الأفكار الديمقراطية بدون أن تتقدم المؤسسات الديمقراطية، وظلت لهذه الأفكار قوة المعايير الخلقية، تؤثر في الضمائر أكثر من تأثيرها في الواقع السياسي.
  • لم تكن هناك محاولات للتوفيق بين هذه الأفكار وأفكار أخرى كثيرة تعيق النمو الديمقراطي، وظل للأفكار الديمقراطية سياقها الديني الذي يحول دون تطبيقها، مثل هذه الأفكار أن السلطة هي وديعة من الله، والحاكم الجائر يسيء تعهدها، ولذا يجوز خلعه، ولكن من يمس الحاكم ويخلعه مادام احقه في الحكم مستمد من الله؟
  • لم يكن التفاهم السائد بين الكنيسة والدولة في القرون الوسطى يساعد على نمو الديمقراطية، بل نشأت أوضاع عطلت حرية الرأي، فأصبح للدين القابض على السلطة قوة إكراهية على جميع المواطنين، وأصبح للدولة سلطة قمع كل الديانات المخالفة للدين الرسمي، وفي ظل هذه الحالة القمعية المتبادلة كان من المستحيل وجود حرية فكرية التي تعتبر ركنا أساسيا للديمقراطية.
  • تغير الحال بعد تفرق المسيحية لعدة أحزاب، كان لبعضها دور مهم في تطور الديمقراطية، بعد أن احتدم الصراع بين المعتقدات الرسمية والمعتقدات المناضِلة في سبيل حق الاستمرار أو التساوي مع المواطنين، ولم يختلف موقف الكاثوليكية عن موقف الفرق الأخرى المنشقة، بل بعض الأحزاب المنشقة مثل  فرقة كالفن ما إن تولت السلطة إلا وقمعت مخالفيها بشدة، وكان للنظام البيوريتاني (التطهيري) سلطوية لا هوادة فيها، فأعطت هذه التجارب البرهان على أنه يتعذر على أي كنيسة تخول سلطة زمنية أن تتنازل عن ادعاءاتها الثيوقراطية.
  • أدت هذه الأحوال إلى اعتماد مبدأ تم إعلانه في صلح وستفاليا وهو: من كان الملك فهو دينه (ترجمة غير واضحة ولعله يقصد: من كان ملِكا فله الحق في اختيار ديانة مملكته، أو من كان تحت سلطة ملك فدينه دين الملك) ولكن تنوع الشيَع الدينية ما لبث أن أذكى الفتن واستمرت في الحروب، لدرجة بدأ الناس ولو ببطء وتردد بتجاوز الاعتقاد الديني لمبدأ المواطنية، وأن الاختلاف الديني في العقيدة لا يحول دون الانتساب لمواطنيّة مشتركة، وأصبح هذا المذهب هو حجر الزاوية في المذهب الديمقراطي في أوروبا.
  • لم تعرف الصين -منذ القدم- مشكلة التلازم بين الدين والدولة، وكانت الديمقراطية من عدة نواحي أقرب لشعب الصين منها للشعوب الغربية، لأن الصين كانت غير متعصبة في المواضيع العِرقية أو التنوع الفئوي، وكانت التعاليم الصينية الدينية أخلاقية أكثر مما هي كونية فتناولت سلوك الانسان في هذا العالم بدون الاستناد لقاعدة أخروية في الثواب أو العقاب، وبدون الارتباط بالدولة.
  • انتقلت الدولة من الحالة الإقطاعية إلى الحالة القُطرية عبر تجمع السلطة الحكومية في مكان واحد، وأخذت السلطة تنقاد للملك، وألّبت الدولة الديمقراطية الشعب كله في قُطر واحد وحول حكم واحد، وأعدت الجو لتطبيق فكرة سيادة الشعب تطبيقا حيا وحركيا، على أن فكرة سيادة الشعب كانت موجودة قبل ذلك ولكنها كانت موجودة بلا شعب، فالتقى الاثنان في ظل الدولة القُطريةوأصبح التعبير عن الدولة يعتبر تعبيرا عن وجود الشعب الإنلجليزي أو الفرنسي مثلا، واعتبر الشعبُ الدولةَ دولته.
  • كان لانجلترا السبقُ في هذا التميز منذ إعلان الماجنا كارتا ١٢١٥م  فكان الخطوة الأولى في النمو الديمقراطي الانجليزي، ولكنه كان إقطاعيا أكثر منه شعبيًا؛ لأنه أكّد حق البارونات الاقطاعيين تجاه الملك الإقطاعي.
  • الخطوة الأولى الحقيقة في طريق الديمقراطية هي التي اتخذها سيمون دي مونتفور ١٢٦٥م فقد دعا مواطنيْــن من كل مقاطعة ونبيليْــن من كل مديرية ليجلسوا في البرلمان مع الأشراف والأحبار، فأصبح البرلمان بتشكيله الجديد بداية مجلس العموم وهو منبت الديمقراطية الحديثة.
  • لم يكن البرلمان الإنجليزي هو المجلس التمثيلي الوحيد في زمنه، فقد كان هناك مجالس تمثيلية أخرى متنوعة، ولكن جميعها لم تكن أكثر من هيئات قضائية أو تنفيذية، ولم تكسب المعنى التاريخي للبرلمان الإنجليزي لأن دعوة ممثلي المقاطعات لم يسبق لها أي برلمان آخر.
  • كانت هذه الدعوة خطوة في طريق القومية بمعناها الحقيقي، وبداية أطول طريق للديمقراطية، واتخذ مجلس العموم خطوات في غاية الأهمية مثل انفصاله عن مجلس النبلاء الأعلى وانتزاعه حق فرض الضارئب، وفرضه رقابة على سياسة الحكومة المالية، ونضاله ضد جور الملوك، وتجريدهم على مراحل من السلطة.
  • في ذات الوقت كانت هناك قوى جديدة في العالم الغربي فتفعل فعلها الثقافي والاقتصادي والتقني في دفع المجتمع من الجمود إلى الحركة، كان الدفع تطوريا ومحافظا في بعض البلاد كإنجلترا لأن مؤسساتها ظلت تتحرك وتتغير مع الوقت وتكيف نفسها مع التغير الإجتماعي، وكان الدفع ثوريًا في بعض البلاد الأخرى التي بقيت فيها المؤسسات على جمودها، إلى أنِ انقضّتْ عليها القوى الجديدة في نهاية القرن الثامن عشر الذي سرى فيه الإيمان الثوري بمذهب حقوق الإنسان.
  • اتخذ مذهب حقوق الإنسان صورته الأولى في الإعلان الأمريكي للاستقلال ونادى بحق الانسان في (الحياة والحرية ومتابعة السعادة).
  • لكن الزلزال الاجتماعي وقع في فرنسا لا في أمريكا وكانت سببه التفاوت البالغ بين تقدم فرنسا الثقافي الرائع وبين تخلف مؤسساتها الشائن.
  • بدأت الثورة الفرنسية على هيئة انقضاض تقومُ به الجماهير الغاضبة على المؤسسات الجامدة، معتقدة بانبلاج نظام جديد يتحرر فيه الناس، وكان إعلان هذا الاعتقاد بشكل صاخب مزعزعًا لقواعد الملكية في أوروبا كلها، وكيفما كانت نهاية الثورة الفرنسية إلا أن تأثيرها غير وجه الحياة في العالم الغربي كله للقرن التاسع عشر الذي اكتسبت فيه القومية و الديمقراطية معًا مزيدًا من القوة.
  • أفرغت الثورة الفرنسية فعالياتها في قيصرية نابليون، ولكن إنجلترا تصدت من جديد للدفاع عن مبدأ الديمقراطية، في فترة كانت تنمو فيه اقتصاديًا وصناعيًا، وانتشرت التجارة انتشارًا واسعًا، وأخذت الأفكار حول مراقبة الحكومة للنشاط الاقتصادي تبدو بالية، وتحل محلها أفكار حول حرية الاقتصاد داخل البلد الواحد، وحرية التبادل التجاري بين البلدان، فأصبحت الديمقراطية تعني تدريجيا الليبرالية الاقتصادية.
  • وكانت الحرية الفردية قوام هذه الليبرالية، فأصبحت الحرية معيار الديمقراطية ومؤداها بأن يتوفر لهم قبل كل شيء الحرية من تعسف السيطرة الحكومية، وحرية تعاطيهم لأعمالهم وأن تدع الحكومة كل فرد وشأنه.
  • كان الاقتصاديون الكلاسيكيون أول من نادى بمبدأ الحرية الاقتصادية الفردية، وتابعهم النفعيون بزعامة جيرمي بينثَـم الذي أصبح بدفاعه هذا صلة الوصل بين القرن الثامن عشر والتاسع عشر.
  • بلغت هذه الليبرالية أوْجها فقضت على القيود التي فرضتها المركنتيلية (طبقة من التجار) على الصناعة والتجارة، ورفعت قيمة الفرد ووسعت قاعدة المواطنيّة، وقاموت تعسّف الحكومة في معاملة مخالفي القانون.
  • لكن هذه الليبرالية بدعوتها تخفيض تدخل الحكومة للحد الأدنى، صرفت الحكومة عن اعتماد سياسات بنائية تستوحيها من مفهوم الخير العام الذي من المفترض أن تؤمنه الحكومة، فتغيرت الأحوال الاقتصادية والاجتماعية دون أن تتغير السياسيات الحكومية بل ظلت جامدة.
  • كان أكثر من قاسى من جمود الحكومة هي الطبقات التي وقع عليها ثِقَل الثورة الصناعية وتم استغلالهم، فبدأت هذه الطبقات بمطالبات يقضي تحقيقها تجاوز المعنى السلبي الليبرالي للديمقراطية وناشدت الحكومة بالقضاء على مساوىء الرأسمالية، وأخذ العمال ينظمون أنفسهم، ورأت الحكومة أن عليها مهام ومعضلات جديدة وعظيمة.
  • وبدأ أنبياء الاشتراكية برفعون أصواتهم منذ مطلع القرن التاسع عشر، ولكن الاشتراكية ظلت بعيدة عن التأثير الاجتماعي حتى منتصف هذا القرن.
  • انتشرت بعد منتصف القرن التاسع عشر حركات ثورية، واشتدت بعدها حركات الأحزاب اليسارية في كل الأقطار.
  • أصبح على الديمقراطية حينها أن تحسب حساب نقابات العمال وتدخل المعترك الاقتصادي وتراعي تطلع الحركة العمالية.
  • نستطيع بعد هذا الاستعراض أن نرى أن الديمقراطية لا تنمو إلا بتدرج ولا بد لها من أرض صالحة، وتجارب يكون بعضها فاشلا وبعضها ناجح بشكل جزئي، ولا بد من المعاناة قبلها.
  • عرَفت الشعوب البدائية أشكالا أولية من الديمقراطية، ولكن الديمقراطية التي ندرسها هنا لم تنشأ إلا بين الشعوب التي بلغت طليعة التقدم الثقافي، وكان تقدمها في اليونان والرومان والولايات المتحدة الأمريكية رهينا بتقدم هذه البلاد ثقافيًا، ولا يعني هذا أن تصبح البلاد ديمقراطية إذا تقدمت ثقافيا ولكن لا تصبح ديمقراطية إلا إذا كانت متقدمة ثقافيًا.
  • وتتقرن الديمقراطية كذلك بالتقدم الاقتصادي، ولا يعني هذا أن التقدم الاقتصادي كذلك يلزم منه التقدم الديمقراطي، ولكن الديمقراطية لا تكون إلا حيث تتلازم الثقافة التقدمية والرفاهية الاقتصادية مثل ما حصل في أثينا وروما وانجلترا.
  • التقدم الصناعي يؤدي إلى حركة اجتماعية ويقضي على الجمود الطبقي الذي يسود المجتمع الزراعي ويتعذر أي شكل من الديمقراطية في بلاد يستفحل فيها الفقر.
  • لا يمكن أن يسود شعبٌ ما دامت جماهيره أُميّة ومبعدة عن مراكز القدرة، في هذه الحالة -كأمريكا اللاتينية- يقبض محترفوا السياسة على ناصية السلطة تحت راية قائد مستبد.
  • ويتعذر تحقيق ديمقراطية إذا غلبتْ الاستكانة السياسية على أكثرية الشعب، وافتقرت هذه الأكثرية إلى الوعي بوحدتها ونفعها المشترك، ولا يكفي أن يكون الشعب ذكيًا بل لا بد من الوعي بالمنفعة المشتركة.
  • ولا يتيسر إدخال النظام الديمقراطي في بلد مترامي الأطراف ألِف السلطوية ويصبح إدخاله أشد صعوبة إذا كانت مستويات هذا البلد الاقتصادية منخفضة ومواصلاته واهية.
  • ما أكثر المخاطر التي يتعرض لها النظام الديمقراطي لدى اتخاذه لأول مرة نظاما للحكم في أي بلد، وما أعلى نسبة الوفيات بين الديموقراطيات المستجدة.
  • إن شكل الحكومة هو دائما تعبير عن المواقف الاجتماعية، ولربما فرضت الأحوال السائدة شكلا أوليغاركيا للحكم، ويكون هذا أكثر ما يكون إذا أكلت الشعبَ خلافاتٌ جنسية أو عرقية أو طبقية، فإذا أصبحت حياة الناس في ضنك وتهددت أرزاقهم وأصبحت قيمتهم في مهب الريح ألقوا أنفسهم في شرَك أنبياء السلطة يعِدونهم الخلاص إذا ما قدّموا حريتهم ثمنًا لها.
Advertisements